النقطة التي أفاضت الكأس
ما حدث بين الرباط ومدريد لم يكن ليمر مرور الكرام هنا أو هناك، فقد غير الكثير من أجندات وتحركات المسؤولين الإسبان. بيدرو سانشيز، رئيس الحكومة الإسبانية، الذي كان يعتزم القيام بزيارة لباريس قام بإلغائها ووجد نفسه مضطرا لإلقاء كلمة مصورة بشكل مستعجل، تحدث فيها عن العلاقات التي تجمع بلاده بالمغرب، على خلفية ما حدث مطلع هذا الأسبوع في سبتة، مصرا على ألا يتحدث عن وجود أي خلاف بين البلدين وأن يتحدث في كل جملة عن «الاحترام» و»حسن الجوار». مورداً في كلمته المطولة أن: «… المغرب بلد شريك وصديق لإسبانيا، وهكذا يجب أن يستمر. لقد كان الاهتمام بعلاقاتنا دائما جزءا من السياسة الخارجية الإسبانية، وهذا ما ينبغي أن يستمر. أمنيتي، مثل رغبة كل الإسبان، هي زيادة تعزيز علاقتنا وتقوية الصداقة مع جيراننا المغاربة».
ويتابع: «العلاقات الإنسانية والتاريخية والثقافية والاقتصادية والاستراتيجية تدعونا إلى التعاون والعمل للتقدم معا. ولكي يكون هذا التعاون مثمرا وفعالا، يجب أن يقوم دائما على أساس الاحترام… احترام الحدود المتبادل هو الأساس الذي يبنى عليه جوار الدول الصديقة والعلاقات المثمرة للجميع».
مهادنة الرباط وعرض 30 ملياراً
وعلى خلفية تصريحات رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الذي حاول طمأنة الرباط بخصوص عمق العلاقات بين البلدين، اهتمت الصحافة الإسبانية بشكل كبير بما حدث، إلى درجة أن العلاقات المغربية الإسبانية كانت المادة الرئيسية لغالبية الصحف الإسبانية مطلع هذا الأسبوع.
جريدة «الباييس»، وهي الأشهر والأوسع انتشارا في إسبانيا، قالت إن مجلس الوزراء في الجارة الشمالية، وافق، على منح المغرب منحة مالية قدرها 30 مليون أورو للمساعدة في الحد من الهجرة غير الشرعية. مؤكدة أن المنحة كانت مقررة في الموازنة المالية لسنة 2021، إلا أن أحداث مطلع هذا الأسبوع عجلت بالتأشير عليها، صباح يوم الثلاثاء، والتعجيل بها لفائدة المغرب. وستستخدم المساعدة، وفق الجريدة الإسبانية، في تمويل دوريات مراقبة الحدود البحرية وصيانة وإصلاح المواد والمخصصات لقوات الأمن. وبحسب تقرير اقتصادي صادر عن بروكسل، تقدر الرباط أنها تحتاج إلى 434 مليون يورو سنويا لتغطية تكاليف ضبط حدودها، ولذلك يمكن أن نفهم كيف أن ناصر بوريطة يكرر في كل مرة أن المغرب لا يمكن أن يكون دركيا بالنسبة لأوروبا وإسبانيا على الخصوص، فحماية سواحل المتوسطي أمر مكلف جدا بالنسبة للمغرب، لا يمكن أن يتكبده لوحده.
رضوان مبشور
بالآلاف، عبروا السواحل المغربية متوجهين إلى سبتة المحتلة، التي تسيطر عليها إسبانيا منذ قرون من الزمن، فعبر معهم التوتر بين الرباط ومدريد نحو منعطف آخر. في ظرف ساعات قليلة من يوم الاثنين 17 ماي، عبر من السواحل المغربية نحو مدينة سبتة ما لا يقل عن 6000 مهاجر غير شرعي، ولم يحدث أن وصل عدد الحالمين بالعبور نحو أوروبا هذا الرقم على الإطلاق وفي ظرف ساعات فقط. البيانات الرسمية الإسبانية تتحدث عن تدفق 6000 شخص غالبيتهم العظمى قاصرون (ما بين سن الـ 13 والـ 18)، تمت إعادة 2700 منهم إلى الأراضي المغربية في اليوم نفسه واليوم الموالي، ووسط زحمة هذه الأرقام، التي تصلنا من إسبانيا في ظل الصمت المتعمد للسلطات المغربية، تجري الكثير من المياه تحت جسر العلاقات بين الرباط ومدريد، ظاهرها تدفق غير مسبوق للمهاجرين غير الشرعيين، وباطنها أزمة غير صامتة، علنية صريحة ومكشوفة للعيان، تفجرت بعد استقبال إسبانيا لزعيم جبهة «البوليساريو» الانفصالية إبراهيم غالي، الذي دخل المملكة الإيبيرية بجواز سفر مزور للعلاج، وهو ما فجر العلاقات بين مملكتين جارتين تحسنت علاقاتهما كثيرا في العقد الأخير، وإن ظلت تعرف الكثير من الرّجات بين الحين والآخر.
لنكن واضحين، ما دام المثل يقول إن «شرح الواضحات من المفضحات»، فالتطورات التي عرفتها العلاقات بين الرباط ومدريد، مطلع هذا الأسبوع، ما هي سوى نتاج لزيادة حدة التوتر بين المملكتين الجارتين، بعد استقبال إسبانيا قبل أسابيع لإبراهيم غالي، زعيم جبهة «البوليساريو» الانفصالية، وهو يدخل البلاد بجواز سفر مزور، من أجل العلاج في أحد مستشفيات مدينة سرقسطة.
لا شيء عادي فوق سماء العلاقات المغربية الإسبانية، ففي الأسابيع القليلة الماضية، جرت الكثير من المياه تحت جسر هذه العلاقات التي يتعمد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشير وصفها بـ”القوية” و”التي يطبعها الاحترام”، لكن واقع الحال يؤكد أن العلاقات بين المملكتين الجارتين تمر خلال الأسابيع الأخيرة بأسوأ محطاتها، ويمكن أن تصل إلى درجة القطيعة، أو في أحسن الأحوال، إلى وقف التعاون الأمني، بعد قرار الرباط استدعاء سفيرته للتشاور، وهو ما حدث لأول مرة طوال العقد الأخير.
المغرب يقيم علاقاته مع الجار الشمالي
القرار حينها أزعج الرباط، إلى درجة أن الخارجية المغربية أصدرت بيانا شديد اللهجة تعبر فيه عن استيائها من «قرار مدريد قبول غالي بهوية مزيفة بدون إعلام المغرب»، وقالت إن هذا القرار الإسباني «ستكون له تبعات على علاقتهما»، مما يعني أن ما حدث مطلع هذا الأسبوع ما هو إلا جزء من هذه «التبعات» التي تحدث عنها بلاغ الخارجية المغربية نهاية الشهر المنصرم وهو ينبه مدريد إلى خطورة ما قامت به عند استقبالها لابراهيم غالي بهوية مزورة. وبينما سبق لوزيرة الخارجية الإسبانية، غونزاليس لايا في تصريحات إذاعية أن ردت أن قبول غالي في إسبانيا كان بناء على ما أسمته «أسبابا إنسانية»، علقت على ما حدث مطلع هذا الأسبوع في سبتة المحتلة بأن تدفق المهاجرين «لم يكن انتقاما» بشأن موضوع زعيم جبهة البوليساريو، مضيفة أنه «لا يمكن أن أتحدث باسم المغرب، لكن ما قالوه لنا منذ ساعات قليلة مضت هو أن هذا ليس بسبب الخلاف بشأن إبراهيم غالي». وشددت غونزاليس لايا مرة أخرى بأن «إسبانيا كانت واضحة جدا بشأن القضية، إنها ببساطة مسألة إنسانية» على حد تعبيرها دائما، وهي تعرف أكثر من غيرها أن تبريراتها تلك لن تكون مقنعة للرباط، مهما كررت عبارة «الدوافع الإنسانية»، ما دام أن أصل الغضبة المغربية هو سماح إسبانيا لإبراهيم غالي بدخول أراضيها بجواز سفر مزور.
أحدث التعليقات