عدالة حامية للحريات
وأكد أن تعزيــز وظيفــة الضبــط يستوجب اكتســاب وتعزيــز اختصاصــات جديــدة، وضمــان اســتقالالية ســلطات الضبــط، وفــي بعــض الحــالات ممارســة هــذه الســلطات لصلاحيــات أوســع فــي مجــال التحــري والزجــر، كمــا هــو الشــأن بالنســبة للوكالــة الوطنيـة لتقنيـن المواصـات ومجلـس المنافسـة والهيئـة الوطنيـة للنزاهـة والوقايـة مـن الرشـوة ومحاربتهـا.
ولفت إلى أن الحكامـة الاقتصاديـة وإزالـة الحواجـز غيـر العادلـة، ووضعيـات الريـع غيـر المبـررة، وتقليـص البيروقراطيــة والرخــص والمأذونيــات، التــي تشــكل فــي أغلــب الحــالات مصــدرا للفســاد، والاتفاقات غير المشروعة بين الفاعلين العموميين والخواص، واستبدالها كل ما كان ذلك ممكنا بتصاريح أو دفاتر تحملات.
اقتصاد تنافسي
وأضاف أن “منظومـة العدالـة، بالمؤسسـات الثـلاث التـي تشـرف عليهـا، مطالبـة بتحسـين آليـات التنسـيق الداخلـي فيمـا
بينهـا مـن أجـل انسـجام وشـفافية كبيريـن، كمـا يجـب تعزيـز كفـاءات القضـاة ومسـاعدي القضـاء والعمـل علــى توافقهــا مــع التطــور الــذي يعرفــه المجتمــع”، مشيرا أن “عدالــة فــي خدمــة المواطــن”، كمــا أرادهــا الملك تتطلــب إســتيعابا أكبــر مــن طــرف المواطنيــن لمضاميــن الدســتور مــن خــلال تجاوز العراقيـل ذات الصلـة بحـق المواطنيـن فـي تقديـم ملتمسـات تشـريعية وبالدفـع أمـام القاضـي بعـدم دستورية القوانين.
وشدد التقرير على ضرورة تطويــر الاقتصاد مــن اقتصــاد يتســم بقيمــة مضافــة ضعيفـة، وإنتاجيـة منخفضـة مـع أنشـطة ريعيـة ومحميـة، إلـى اقتصـاد يتميـز بتعدد الأنشطة وبالتنافسـية، قائــم علــى نســيج مكثــف مــن المقــاولات قــادرة علــى الابتــكار والمرونــة.
مؤسسات حكامة اقتصادية مستقلة
القطاع الخاص
وأشار أن هذا التحول يجــب أن يكــون مصـدرا لنمـو أكبـر وقـادرا علـى خلـق مناصـب شـغل ذات جـودة، قصـد تنويـع مصـادر خلـق القيمـة المضافـة وضمـان إدمـاج السـاكنة النشـيطة، خصوصـا الشـباب والنسـاء، فـي سـوق الشـغل.
وشددت اللجنة في تقريرها على ضرورة تعزيز الحريات الفرديـة والعامـة وحمايتهـا مـن قبـل منظومـة العدالـة، معتبرة أنها شـرط أساسـي لخلـق منـاخ الثقـة ولتحريـر الطاقـات، لأن التحولات الاجتماعية والثقافيـة التـي يعرفهـا المغـرب والتطلعـات الجديـدة
للمواطنيــن، المعبــر عنهــا فــي إطــار جلســات الإنصات التــي نظمتهــا اللجنــة، تجعــل مــن المســتعجل إرســاء علاقـة جديـدة بيـن الدولـة والمواطنيـن حـول ترسـيخ واحتـرام الحريـات العامـة والفرديـة.
ودعا إلى الانتقال مـن مقاربـة مرتكـزة علـى اعتمـاد حلـول مسـكنة أو تصحيحيـة للاختلالات، إلـى الاعتمـاد علـى مقاربـة للإدماج تنبنـي علـى تصـور السياسـات وعلـى ضمـان استقلالية الإراد والمقـاولات والجمعيـات مـن خـلال تنميـة قدراتهـم.
إعادة الحيوية لهيئات الوساطة
ودعا إلى تعزيــز وظيفـة الضبـط فـي قطاعـات كالماليـة والاتصالات والطاقـة، وأن يمتـد هـذا الضبـط أيضا إلـى قطاعـات أخـرى كالمـاء والنقـل والعقـار، بـل وحتـى إلـى التعليـم وإلـى كل قطـاع آخـر يكـون فيـه فسـح المجـال للمبادرة الحـرة وتعـدد المتدخليـن ضرورييـن لإرساء إطـار تنافسـي يفضـي إلـى خلـق مزيـد مـن القيمـة.
وشدد تقرير لجنة النموذج التنموي على ضرورة تحريـر طاقـات المواطنيـن والمقـاولات، مـن منظـور خلق الثـروة وتنميـة القـدرات وتكريس قيــم المواطنــة وتحقيــق التــوازن بيــن الصالــح الخــاص والصالــح العــام، وتوطيــد عدالــة ناجعــة ونزيهـة، وسـن قوانيـن واضحـة لا يكتنفهـا غمـوض ولا مناطـق رماديـة، وترسـيخ وحمايـة الحريات.
ولفت إلى أن “التوجـه الجديـد لدور الدولة في إطار النموذج التنموي الجديد، يجب أن يسـعى إلى توسـيع مجالات واسـتقلالية تدخـل الفاعلين، لأن اسـتقلالية القـرار وتعزيـز الحريـات ووضـوح مهام القيـادات وتتبـع الإنجـاز يجـب أن تتـم بالمـوازاة مـع الواجبـات والمسـؤوليات التـي يتحملهـا الجميـع وإخضـاع الجميـع للمسـاءلة”.
وشدد التقرير على أن النظــر إلــى الأداء الديمقراطــي فــي حــده الأدنى، المختــزل فــي مظاهــر شــكلية وفــي الانتخابــات، علــى خلفية التوتــر المســتمر بيــن الحقــل السياســي والشــركاء الآخرين فــي المجتمــع المدنــي، يفقــد المسلســل
الديمقراطــي حيويتــه.
وأبرز أنه من المهم إعـادة الحيويـة إلـى الهيئـات الوسـيطة، خاصة الأحزاب السياسـية التـي تعتبر عمــاد الديمقراطيــة التمثيليــة، و إعـادة تنشـيط المشـاركة السياسـية مـن خـلال انفتـاح واسـع لألحـزاب السياسـية علـى القـوى الحيـة للمجتمـع وتحصيـن الحقـل الحزبـي.
وأشار التقرير أن التكثيـف البنيـوي لمصـادر خلـق القيمـة، لـن يكـون ممكنـا بدون قطـاع خاص قوي وجريء متشـبع بـروح المبـادرة ومنفتح لتحمل المخاطـر، وقـادر علـى تعبئـة الفـرص الاقتصاديـة الجديـدة، موضحا أنه ينتظـر مـن القطـاع الخـاص أن يكـون أكثـر مسـؤولية ومبـادرة، للمسـاهمة فـي جهـود الإدمـاج والحمايـة الاجتماعيـة والاسـتثمار مـع المجـالات الترابيـة وفـق مقاربـة “رابـح – رابـح”، مـع الحـرص على توزيع منصـف للقيمة المضافة المحققـة.
وتابع ” يجـب أن تشـمل لزوميـة الشـفافية والحيـاد والإنصاف مجـال القضـاء التجـاري الـذي يشـكل محـددا بالـغ الأثر علـى
منـاخ الأعمال، وعاملا لتقييـم المخاطـر مـن طـرف المسـتثمرين المغاربـة والأجانب، وتجـاوز تراكـم القضايـا فـي المحاكـم تعزيـز التحكيـم والوسـاطة مـن أجـل دعـم ومواكبـة المسـاطر التقليديـة”.
وأوضحت أنه علـى الإدارة أن تسـتعيد مهمتهـا الأساسية المتمثلـة فـي خدمـة المواطنيـن، وذلـك بتطويـر نظــرة المواطــن إليها، مــن شــخص خاضــع للإدارة إلــى مرتفــق ملــزم بالضريبــة يســتحق خدمــة ذات جودة، وهذا يستلزم إدارة عصريــة مرقمنــة بشــكل كامــل وتطبــق مســاطرا مبســطة، وتوظيــف الرقميــات فــي أعمــال التتبــع والتقييــم وقيــاس جــودة الخدمــات المقدمــة للمواطــن، وتحســين طـرق تواصـل الإدارة مـن أجـل تعزيـز الشـفافية والولـوج إلـى المعطيـات ذات الصلـة بالشـأن العـام.
وأبرزت أنه مـن أجـل إطلاق دينامية الحريـات والمسـؤولية هـذه، مـن الضـروري التقليـص بشـكل ملمـوس مـن حجـم المناطـق الرماديـة ، ومنها عـدم الدقـة والغمـوض فـي النصـوص أو التبايـن الصـارخ مـع الممارسـة، التي لا تـزال تكتنـف العديـد مـن
مـواد القانـون الجنائـي، والعمـل بشـكل عـام علـى تقليـص هوامـش السـلطة التقديريـة التـي تتيـح المجال للتعسـف فـي العلاقـة بيـن السـلطات القائمـة والمواطنيـن، وذلـك مـن خـال إعمـال تأويـل إيجابـي للدسـتور يرتكـز علـى القيـم الكونيـة المكرسـة فـي الاتفاقيـات الدوليـة المصـادق عليهـا مـن طـرف المغـرب، وكـذا القيـم الأصيلـة للمملكـة.
وأشار أن تحديـث وتعزيـز قـدرات الأحزاب وجاذبيتهــا تجــاه المواطنيــن، وقدرتهــا علــى تعبئــة الكفــاءات ستلعب دورا رئيســيا فــي اســتعادة الهيئــات الوســيطة لمهمتهـا الأولى كممثلـة للمواطنيـن وفاعلـة فـي الحيـاة العامـة، ومنتجـة للأفكار ولاللتزامـات المدنيـة، مضيفا أنه ” فضلا عـن ذلـك، يجـب أن يقـدم الفاعلـون التمثيليـون، المنتخبـون مـن طـرف الأمة، مثـالا للقـدوة والنزاهـة، وهـي القيـم التـي لا محيـد عنهـا مـن أجـل إعـادة تأهيـل المجـال السياسـي فـي نظـر المواطنيـن”.
استكمال إصلاح القضاء
وسائل إعلام مستقلة
وأشار أن هذا يشمل علــى وجــه الخصــوص تســريع وتيــرة رقمنــة المســاطر الداخليــة، قصـد توثيـق إجراءاتهـا ونشـر المقـررات القضائيـة لإضفاء الشـفافية عليهـا، وإحـداث منصـة رقميـة قضائيـة توفـر لـكل مواطـن خدمـة قضائيـة فعالـة سـريعة وعـن قـرب، بمـا فـي ذلـك التبليـغ الإلكتروني.
وخلص التقرير إلى أن وسـائل إعـام مسـتقلة، ومجتمعـا مدنيـا متحـررا ومسـؤولا، وبرلمانـا قـادرا علـى ممارسـة اختصاصاتـه التشـريعية ومسـاءلة السـلطة التنفيذيـة والقيـام بتقصـي الحقائـق، هي عناصـر أساسـية مـن أجـل إغنـاء ومواكبـة حيـاة عامـة غنيـة، نشـطة، دامجـة ومطبوعـة بحـس المواطنـة والشـعور بانتمـاء كافـة المواطنيـن لمشـروع مشـترك.
وأوضح التقرير أن تحرير الطاقات فـي مجـال المقاولـة والمبـادرة الخاصـة، اللتيـن تعتبـران أساسـيتين للرفـع مـن خلـق القيمـة، يتطلب اعتمـاد قواعـد تضمـن تكافـؤ الفـرص علـى المسـتوى الاقتصادي، مشيرا أنه نظـرا لكـون المجـال الاقتصـادي فضـاء طبيعيـ للمصالـح الخاصـة وللتواطـؤات وللتفاهمـات وللريـع غيـر المسـتحق، فمـن الضـروري أن تتسـم الحكامـة الاقتصاديـة بالمزيـد مـن اليقظـة، وذلـك مـن خـال تعزيـز أدوار سـلطات الضبـط المســتقلة التــي تعتبــر ضروريــة لضمــان ســير شــفاف للســوق وللمنافســة الحــرة والمشــروعة.
وأكد التقرير على ضرورة اسـتكمال إصلاح القضـاء بشـكل كامـل، طبقا لتوصيـات ميثاق إصلاح منظومة العدالة، قصد تحسـين أدائــه، والتقليــل مــن بطئــه، ومحاربــة الرشــوة علــى جميــع المســتويات، بصفتهــا مصــدرا للتعســف وانعــدام الحمايــة لــدى المواطنيــن.
أكد لجنة النموذج التنموي أنه يجـب علـى الهيئـات الدسـتورية، التـي تجسـد الاختيـار الديمقراطـي والحيـاة العامـة والمؤسسـاتية الناجعـة، أن تضطلـع بدورهـا كامـلا.
وشددت اللجنة في مقترحاتها بشأن النموذج التنموي الجديد، أن البرلمـان الـذي يعتبـر عمـاد الاختيـار الديمقراطـي، يجـب أن تتوفـر له الإمكانيات الماديـة والمؤهـلات التقنيـة الضروريـة مـن أجـل القيـام بوظيفتـه التشـريعية وبـدوره فـي مراقبـة وتتبـع العمـل الحكومـين كمـا يتعيـن دعـم مهمتـه الأولى، التـي تتجلـى فـي سـن القوانيـن، وذلـك مـن أجـل تحسـين المردوديـة التشـريعية وسلاسـتها ومراجعـة القوانيـن وتحديثهـا بشـكل مسـتمر.
وأكد أنه لا يمكن القضـاء علـى المناطـق الرماديـة وجيـوب الفسـاد، والمصالـح الفئوية التـي تقـوض تحقيـق المصلحـة العامـة والغمـوض الـذي يحـد مـن اسـتقاللية الأفراد والفاعلين السياسـيين أو الاقتصادييـن، دون إخضـاع صانعـي القـرار للمسـؤولية تجـاه المهـام الموكولة إليهـم، والمواطنيـن إزاء القوانين والمؤسسات، وبالنسبة للمجتمع المدني إزاء التزاماته، وبالنسبة للقطاع الخاص إزاء واجباته الاجتماعية والبيئية.
أحدث التعليقات