وبخصوص مناوشات واستفزازات البوليساريو المدعومة من الجزائر فإنها ليست سوى مناوشات «دونكوشوطية»، والدليل أننا على مشارف ستة أشهر من بدايتها لكن لم يحصل أي تحول ميداني. ولقد ظهر أن رهان البوليساريو على الحل العسكري لحسم قضية الصحراء هو رهان فاشل. ورغم أن عدد البلاغات العسكرية التي أصدرتها البوليساريو حتى الاثنين الماضي بلغ 159 بلاغا منذ تحرير معبر الكركرات واستئناف الحركة التجارية، إلا أنها تتحدث عن نفس المناطق، بمعنى أن البوليساريو تعترف بنفسها أنها في وضعية مراوحة في مكانها.
ولقد برزت مؤشرات هذا التقاطب في الرهان الجزائري على الموقف الروسي ضد القرار الأمريكي بالاعتراف بمغربية الصحراء، والانخراط في تفاهمات استراتيجية كبيرة مع روسيا، من بينها ما تحدثت عنه تقارير إعلامية حول منح روسيا قاعدة عسكرية بحرية في المتوسط لأجل رسو سفنها. ومن شأن تحقيق ذلك أن تكون له انعكاسات استراتيجية على الوجود العسكري للقوى الدولية في غرب المتوسط، وهنا أستحضر المشكلة التي حصلت قبل حوالي ست سنوات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا عندما رخصت مدريد للأسطول الروسي باستغلال إحدى قواعدها العسكرية على المتوسط قبل أن تتراجع عن ذلك، وكان لذلك أثر في الحد من الإمكانيات المتاحة لروسيا للاشتغال داخل البحر المتوسط. لكن مع التطورات الحاصلة اليوم في ليبيا والجزائر يمكن أن تجد موسكو موطئ قدم في غرب المتوسط، وهنا لابد من الإشارة إلى أن 67 في المائة من صفقات التسلح الجزائري والتي ناهزت مائة مليار دولار خلال السنوات العشر الأخيرة (2010-2020) كانت مع روسيا، فيما كانت 13 في المائة مع الصين، و11 في المائة مع ألمانيا.
على البوليساريو أن تعرف أن الحرب اليوم ليست هي الحرب التي كانت في الثمانينيات. هناك وضع عسكري جديد مرتبط بالتكنولوجيات الجديدة والتوازن العسكري الجديد، وهذا التطور هو الذي جعلني أتحدث في مناسبات عديدة عن كيف يشكل الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء تحولا استراتيجيا كبيرا، من نتائجه إتاحته استعمال السلاح الأمريكي في الصحراء المغربية والذي لم يكن متاحا في السابق بحكم اتفاقية 1963 بين البلدين، والتي استعملت في عهد إدارة جيمي كارتر نهاية السبعينيات، من قبل رئيس اللجنة الفرعية الإفريقية بالكونغرس الأمريكي ستيفان سولارز من أجل إيقاف صفقات التسلح للمغرب، والتي لم تستأنف إلا بعد أن قدمت وزارة الخارجية الأمريكية إفادة داخل الكونغرس الأمريكي أكدت فيها حصول عمليات عسكرية للبوليساريو في التراب المغربي خارج المنطقة المتنازع عليها.
في هذا الحوار، يغوص مصطفى الخلفي في تفاصيل التطورات الأخيرة المرتبطة بقضية الصحراء، بدءا باجتماع مجلس الأمن حول الصحراء، وانتهاء بما ذهبت إليه مراكز التفكير الأمريكية النافذة والمؤثرة في صنع سياسات واشنطن، مرورا بسباق التسلح بين الجزائر والمغرب، ليقدم قراءة غنية بالمعلومات والأفكار عن مجمل القضايا ذات الصلة بملف الصحراء الذي يعيش أخطر منعرج في تاريخه.
من أجل تبسيط الأمور أكثر، على ماذا تنص اتفاقية 1963؟
حاوره: كريم بوخصاص
كانت تنص على أن السلاح الأمريكي المباع للمغرب لا يمكن استعماله في عمليات هجومية، إنما في عملية الدفاع عن تراب المملكة فقط، وفق ما هو معترف به من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، والذي لم يكن يشمل الصحراء. هناك دراسة شهيرة لباحث أمريكي اسمه «جون ديمس» أصدرها في بداية الثمانينيات كشفت عن تراجع مهول في صفقات التسلح بين أمريكا والمغرب، علما أننا كنا في تلك الفترة نعيش ظروفا صعبة.
وأعتقد أن من عوامل عدم نجاح هذا التقاطب أن المغرب انتهج منذ مدة بقيادة جلالة الملك سياسة تقوم على تنويع الشراكات الاستراتيجية وضمنها شراكته الاستراتيجية مع روسيا، والصين والاتحاد الأوروبي، واستثمار التنوع في صيانة المصالح الاستراتيجية الكبرى لبلدنا، لهذا علينا أن نأخذ بعين الاعتبار هذا المعطى وأن نحول دون أن تسقط المنطقة ضحية هذا التقاطب الذي تُعلمنا دروسه السابقة أن لا أحد ربح من ورائه أي شيء.
وكما قلت سابقا، هناك إطار سياسي يراد تشكيله، وهو محاولة جعل منطقة شمال إفريقيا رهينة تقاطب روسي أمريكي جديد كما حصل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حظوظ نجاحه قائمة لكنها ضعيفة، وهذا المعطى يشكل في تقديري عنصرا جديدا لدى الإدارة الأمريكية حتى تفكر مرة ثانية إزاء أي احتمال – وإن كان ضعيفا – بمراجعة قرار الاعتراف بمغربية الصحراء، لأن ذلك سيكون بمثابة هدية لروسيا ولسياستها في المنطقة.
وبالعودة للإطار العام للموضوع، أعتقد أن أخطر جبهة مفتوحة اليوم هي السياسة القائمة عند النخبة العسكرية في الجزائر، والتي كشفتها دراسة حديثة حول «السلطوية العسكرية في شمال إفريقيا» صادرة عن معهد كارنيجي للسلام الدولي، تحدثت عن سعي النخبة العسكرية الجديدة إلى الحفاظ على العداء الاستراتيجي ضد المغرب قائما، يعني أن العداء مع المغرب هو جزء من العقيدة المشكلة للدولة الجزائرية، وهذا أمر لا علاقة له بالشعب الجزائري، ولكنه كاستراتيجية هو معطى قائم، انبثق عنه في تقديري السعي لمحاولات إحياء مناخ الحرب الباردة على مستوى المنطقة المغاربية، ومحاولة افتعال تقاطب أمريكي روسي جديد.
ومما ساعد المغرب آنذاك هو التحولات الاستراتيجية التي حصلت مع التوسع السوفياتي في أفغانستان في 1979 ونيكارغوا في نفس الفترة عبر صعود جبهة الساندنيستا وفقدان أمريكا لحليفتها إيران، وأصبحت أمريكا ترى أن تسليح البوليساريو بصواريخ سام 6 السوفياتية سيؤدي لتمكين السوفيات من الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر الجزائر والصحراء المغربية. هذه التطورات الاستراتيجية التي حصلت سنة 1979 وما بعدها دفعت الإدارة الأمريكية إلى مراجعة موقفها في جلسة شهيرة للكونغرس الأمريكي، تم بثها لاحقا في برنامج قناة «بي بي إس» الأمريكية حول القضية بداية الثمانينيات، حيث جرى تسويغ عملية بيع السلاح للمغرب بعد إقدام البوليساريو على استعمال صواريخ «سام 6» السوفياتية داخل التراب المغربي كما هو معترف به من قبل الولايات المتحدة، ولم يكن من سلاح رادع وفعال ومضاد لهذه الصواريخ إلا السلاح الأمريكي، لهذا فما حصل في تلك الفترة يفترض أن يشكل تجربة ودرسا بليغا لكل الفاعلين في المنطقة.
عمليا، نحن مازلنا كبلد في وضع هجومي إزاء وضعية تراجعية يعيشها خصوم الوحدة الترابية، وهذا لا يلغي أن هناك معارك مفتوحة على جبهات متعددة، آخرها ما حصل في مجلس السلم والأمن الإفريقي في مارس الماضي من مناورة جزائرية مفضوحة حاولت البحث في الشرعية القانونية لفتح قنصليات في الصحراء المغربية وإقحام موضوع فتح ممثلية للاتحاد الإفريقي في العيون. صحيح كان هناك موقف حازم من جانب المغرب الذي أكد أن ما حصل لا يمثل بالنسبة إليه أي شيء، وأن ذلك يعاكس قرارات الاتحاد الإفريقي ويشكل انحرافا واضحا عن قرارات قمة نواكشوط، لكن ما حصل يدل على أن خصوم الوحدة الترابية يشتغلون ويواصلون سياستهم الاستفزازية.
ألا ترى أن قضية الصحراء تدخل أهم منعطف في مسارها، حيث هناك مناوشات عسكرية في الميدان، يوازيها حراك سياسي ودبلوماسي على أعلى مستوى؟
أحدث التعليقات