كان مهندس العلاقة بين عبد الكريم مطيع وبين التنظيم العالمي هو وسيط النظام الدكتور الخطيب، فإذا كانت القيادة الداخلية للشبيبة ترفض هذه العلاقة المشبوهة فإن مطيع أطلق العنان للعلاقات مع هذا الطرف الموبوء، وهو ما اعترف به في مذكراته في ما بعد، عندما قال: «وإن أولى خطوات النظام في هذا الاتجاه (الاختراق والتدجين) أن دعاني الخطيب بواسطة قريب لي وهو الفقيه السني الحمداوي». وفي لقاء آخر دعاه هذا الأخير وجذر علاقته بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، حيث يستطرد مطيع: «وكان موضوع العودة إلى نفس الدعوة إقناعي بزيارة الخطيب اتقاء شره أولا، وعملا بالاستفادة من علاقاته ثانيا. وبعد إلحاح شديد وتوسل بالعلاقة التي تربطني بالشيخ الحمداوي، وافقت حياء، وكانت تلك أول خطوة غير موفقة».
الكثيرون يعرفون السيد “أحمد حو” كإطار معروف في المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إذ اشتغل بهذه المؤسسة الدستورية لسنوات، ضمن الدائرة الضيقة للمرحوم إدريس بنزكري، منكبا على ملفات غير هينة، على غرار لجنة الحقيقة والإنصاف، وملفات الاختفاء القسري والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، كما عمل إلى جانب المحجوب الهيبة الأمين العام السابق، وأحمد حرزني الرئيس السابق لنفس المجلس.
وداخل حي الإعدام عاش قصصا وحكايات، دونها في كتاب مثير صادر عن “دار الوطن” للنشر، تحت عنوان يلخص حكايته المثيرة في السجن، بعدما وقع الطبيب شهادة وفاته بعد عدة أسابيع من الإضراب عن الطعام، غير أنه نجا بأعجوبة، ليروي لنا قصة عودته من المشرحة إلى الحياة.
غير أن ما لا يعرفه الكثيرون أن هذا الرجل الذي اختار أن يبقى في الظل بعيدا عن وسائل الإعلام، عاش لسنوات في ردهات السجون، محكوما بالإعدام بعدما وجهت له تهم ثقيلة وصلت إلى حد اتهامه بـ”التآمر على النظام”، بسبب منشورات وزعها ولافتات رفعها وشعارات كتبها على الجدران، عندما كان ناشطا في الشبيبة الإسلامية لعبد الكريم مطيع.
ابن كيران ويتيم قادا مظاهرات بعد اغتيال عمر بنجلون
الدكتور الخطيب قام باختراق التنظيم وتدجينه
كانت الشبيبة الإسلامية حركة مغربية بحتة، وإن كانت لا تنتمي تنظيميا إلى التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، إلا أن علاقة قيادتها ـ وهي الشق المنفي ـ وعلى رأسها عبد الكريم مطيع، قد توطدت معها خصوصا بدول النفي بالخليج كالسعودية والكويت. وكان فكر الإخوان المسلمين هو الرائج في غياب دراسات ومؤلفات وطنية توازي دروس التربية والتنظيم لحسن البنا وكتب سيد قطب.
في سنة 1978 التقيت ببعض أصدقائي وأخبروني أن ثمة حركات إسلامية تحررية تنطلق من نفس الرؤية للنضال داخل الوسط التلاميذي والجامعي الذي ترعرعنا فيه، فكانت أولى خطواتي نحو العمل السياسي هي الانتماء إلى حركة الشبيبة الإسلامية. لأول مرة سأنتمي إلى حركة تهتم بالشأن السياسي، لكن دونما ضوضاء أو انفعالات، اللهم إلا بعض النضالات بين الفينة والأخرى كالمظاهرات أو توزيع المنشورات.
في سنة 1981 تمت محاكمة المتهمين في قضية عمر بنجلون، وأصدرت محكمة الجنايات بالدار البيضاء أحكاما بالإعدام في حق متهمين باغتيال الزعيم الاتحادي، وأحكاما بالمؤبد في حق آخرين، ومن ضمنهم عبد الكريم مطيع. وقد قررت قيادة الشبيبة القيام بإنزال من كل جهات المملكة حول مسجد الحبوس، تزعمه عبد الإله بنكيران وآخرون من القيادات الميدانية، وألقى كلمة خرجت بعدها مظاهرة حاشدة، جابت منطقة الحبوس إلى مرس السلطان، حيث انتهت بكلمة لمحمد يتيم من فوق جدران فيلا عبد الكريم مطيع، أمام قمع المظاهرة واعتقال بعض القياديين المشاركين فيها. وتتالت الاعتقالات لكل من له علاقة بالشبيبة، وشملت كل الشرائح خصوصا قيادييها من معلمين وطلبة وعمال، وانقطعت عنا لمدة غير يسيرة أي علاقة مع قيادة الشبيبة، مما دفعنا كقيادة محلية لمدينة المحمدية إلى العمل بانعزال تام عن تنظيم الشبيبة، إلى أن بدأت تلوح الانشقاقات الكبرى داخل الجسم الحركي، ليخرج في 1981 بيان من معتقل درب مولاي الشريف، لموقعين يعلنون تبرؤهم من الشبيبة وقادتها، وبالأخص من المواقف المعادية للنظام وثوابته، وهو ما جسدته مجلة «الجهاد» لصاحبها مطيع، ولم نكن نحن الشباب لننصاع لبيان خرج من ردهات الفرقة الوطنية للشرطة بالمعتقل السري درب مولاي الشريف.
أحدث التعليقات